القرطبي
39
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
يحفظ الصالح في نفسه وفي ولده وإن بعدوا عنه . وقد روي أن الله تعالى يحفظ الصالح في سبعة من ذريته ( 1 ) ، وعلى هذا يدل قوله تعالى : " إن ولي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين " ( 2 ) [ الأعراف : 196 ] . قوله تعالى : ( وما فعلته عن أمري ) يقتضي أن الخضر نبي ، وقد تقدم الخلاف في ذلك . ( ذلك تأويل ) أي تفسير . ( ما لم تسطع عليه صبرا ) قرأت فرقة : " تستطيع " . وقرأ الجمهور : " تسطع " قال أبو حاتم : كذا نقرأ كما في خط المصحف . وهنا خمس مسائل : الأولى - إن قال قائل : لم يسمع لفتى موسى ذكر في أول الآية ولا في آخرها ، قيل له : اختلف في ذلك ، فقال عكرمة لابن عباس : لم يسمع لفتى موسى بذكر وقد كان معه ؟ فقال : شرب الفتى من الماء فخلد ، وأخذه العالم فطبق عليه سفينة ( 3 ) ثم أرسله في البحر ، وإنها لتموج به فيه إلى يوم القيامة وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه فشرب منه . قال القشيري : وهذا إن ثبت فليس الفتى يوشع بن نون ، فإن يوشع بن نون قد عمر بعد موسى وكان خليفته ، والأظهر أن موسى صرف فتاه لما لقي الخضر . وقال شيخنا الإمام أبو العباس : يحتمل أن يكون أكتفي بذكر المتبوع عن التابع والله أعلم . الثانية - إن قال قائل : كيف أضاف الخضر قصة استخراج كنز الغلامين لله تعالى ، وقال في خرق السفينة : " فأرادت أن أعيبها " فأضاف العيب إلى نفسه ؟ قيل له : إنما أسند الإرادة في الجدار إلى الله تعالى لأنها في أمر مستأنف في زمن طويل غيب من الغيوب ، فحسن إفراد هذا الموضع بذكر الله تعالى ، وإن كان الخضر قد أراد ذلك فالذي أعلمه الله تعالى أن يريده . وقيل : لما كان ذلك خيرا كله أضافه إلى الله تعالى وأضاف عيب السفينة إلى نفسه رعاية للأدب لأنها لفظة عيب فتأدب بأن لم يسند الإرادة فيها إلا إلى نفسه ، كما تأدب إبراهيم عليه السلام في قوله : " وإذا مرضت فهو يشفين " ( 4 ) فأسند الفعل قبل وبعد إلى الله تعالى ، وأسند إلى نفسه المرض ، إذ هو معنى نقص ومصيبة ، فلا يضاف إليه سبحانه وتعالى من الألفاظ إلا ما يستحسن منها دون ما يستقبح ، وهذا كما
--> ( 1 ) في هامش ج : ذويه . ( 2 ) راجع ج 7 ص 342 . ( 3 ) في ج وك : سفينته . ( 4 ) راجع ج 13 ص 110 .